عبد الله بن أحمد النسفي
21
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) 51 - وَأَنْذِرْ بِهِ بما يوحى الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ هم المسلمون المقرّون بالبعث إلّا أنهم مفرطون في العمل ، فينذرهم بما أوحي إليه ، أو أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ في موضع الحال من يحشروا ، أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يدخلون في زمرة أهل التقوى . ولما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بإنذار غير المتقين ليتقوا أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهي عن طردهم بقوله : 52 - وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم ، أي عبادته ويواظبون عليها ، والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام ، أو معناه يصلّون صلاة الصبح والعصر ، أو الصلوات الخمس . بالغدوة شامي ، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فالوجه يعبّر به عن ذات الشيء وحقيقته . نزلت في الفقراء بلال « 1 » وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك ، فقال عليه السّلام : ( ما أنا بطارد المؤمنين ) فقالوا اجعل لنا يوما ولهم يوما وطلبوا بذلك كتابا ، فدعا عليا رضي اللّه عنه ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية ، فنزلت فرمى عليه الصلاة والسلام بالصحيفة وأتى الفقراء فعانقهم « 2 » ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كقوله : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي « 3 » وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم فقال حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك كما أنّ حسابك عليك لا يتعداك إليهم فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي ، وهو ما عليك من حسابهم فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب النهي ، وهو ولا تطرد ، ويجوز أن يكون عطفا على فتطردهم على وجه التسبيب ، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم .
--> ( 1 ) بلال : هو بلال بن رباح الحبشي ، أبو عبد اللّه مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخازنه على بيت ماله ، وأحد السابقين للإسلام توفي عام 20 ه ( الأعلام 2 / 73 ) . ( 2 ) حديث ما أنا بطارد المؤمنين رواه البيهقي في الشعب في أواخره والواحدي في الأسباب . ( 3 ) الشعراء ، 26 / 113 .